الشيخ محمد الصادقي
253
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فالعِدل بالله يعم الالحاد والاشراك وسواهما ، مهما لم يكن الملحد معترفاً بوجود الله ، حيث يؤلِّه المادة كأنها الله ، أو لم يكن المشرك يعبد مع وثنه اللهَ ، حيث يعبده كما يُعبد الله . اذاً فعِدل الرب بما سواه أم عِدل ما سواه به في أىٍّ من شؤون الألوهية والربوبية ، خارج عن العَدل في القياس ، بل لا قياس بالله لما سواه فإنه « باين عن خلقه وخلقه باين عنه » ليس يشاركهم في شئ حتى يُعدل به أو يُفضَّل عليه . هذه ثلاث في أولى الآيات ، وكما في هذه الآيات الثلاث نجد موجات ثلاث ، أَولاها في أُولاها حيث تذرع الوجود الكوني كله في نفسها ، الثانية الوجود الانساني كله ، والثالثة فيها إحاطة الألوهية بالوجودين كليهما . آيتنا هذه تبدء ببرهان لطيف حفيف على حدوث الكون كله ، المعبر عنه ب « السماوات والأرض » : « الحمد لله خالق السماوات والأرض . . . » . فان « السماوات والأرض » تدلان بحدوثهما - / ذاتياً وصفاتياً وأفعالياً - / على أن هناك محدِثاً لا يجانسهما ، فهو الذي أحدثهما ، ولا مشاحة في تسميته ، فنحن نقول عنه : « الله » وليس المادة لأنها أصلهما الوالد لهما ، وليست الخالقة إياهما . ذلك والى قول فصل عما لمحت له الآية ، من حجاج الرسول صلى الله عليه وآله على المشركين : « وأنتم فما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدءَ لها وهى دائمة لم تزل ولا تزال ؟ لأنا لا نحكم إلَّا بما نشاهد ولم نجد للأشياء حدثاً فحكمنا بأنها لم تزل ولم نجد لها انقضاءً وفناءً فحكمنا بأنها لا تزال - فوجدتم لها قدماً أم وجدتم لها بقاءً أبد الأبد ؟ فان قلتم انكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك ، ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم العالمون الذين يشاهدونكم ؟ بل لم نشاهد لها قدماً ولا بقاءً ابد الأبد . فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم والبقاء دائماً لأنكم لم تشاهدوا حدوثها وانقضاءها أولى من تارك التمييز لها مثلكم فيحكم لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع لأنه لم يشاهد لها قدماً ولا بقاءً أبد الأبد ؟